التَّوقيعات فَنٌّ أدبيٌّ كتابيّ وليس بشفاهيّ، اتّسمَت بالإيجاز والبلاغة ومتانة السَّبك وعُمق المعنى وحضور البديهة. وهي تعليقٌ على الرّسائل الدّيوانيّة بما يُناسبها. وقد ألفينا بعضًا منها منذ عصر صدر الإسلام، وكثيرًا منها في العصر الأموي. إلا أنّ العصرَ العبّاسيَّ الأوّلَ فسحَ لها في المجال, فكثُرت كثرةً غامرة؛ لازدهار الكتابة الدّيوانيّة عصرئذٍ. وكانت مثالاً يُحْتذى في الإيجاز والإعجاز، حتَّى إنَّ بعضَها كان يُباعُ بيعًا؛ لما فيه من فنون البلاغة وأفانينها. وقد احتفت مصادرُ الأدب بالتَّوقيعات, فرَوَتْ لنا عددًا وفيرًا منها، ولا سيّما كتاب العقد لابن عبد ربّه، وكتاب الوزراء والكتّاب للجهشياريّ، وخاصّ الخاصّ للثّعالبيّ، وصُبح الأعشى للقلقشنديّ, وغيرها. وهذا البحث يعرضُ لهذا الفنِّ الأدبيِّ, ونشأتِه, وأعلامِه, ونماذجَ منه في عصور العربيّة الزَّاهرة, وبعضِ سماتِه ومزاياهُ الأسلوبيّة.