حازَ سهلُ بن هارون (ت215هـ) قَدْرًا كبيرًا من ثقافة عصره الواسعة، ونَهِلَ من ينابيع العِلم في البصرة حتَّى ارتوى. وقد ازدحمت في بيئته تيّاراتٌ مُختلفة من الثَّقافات والأفكار، فتشرّبها روحُه، وسرى ألْقُها في نفسِه، ووَعاها عقلُه، فغذّى بها أدبَه، ولهِجَ بها لسانُه. والأديب إنّما يصدرُ عن معارفه، وحصيلة ثقافته، فيقيم بها أَوَدَ مَوهبته.
ويبدو أنَّ سَهْلاً كان دائرةَ معارف واسعة، وأنَّ طريقتَه في النَّثر الفنّيّ، وطَرافة موضوعاته وجِدّتها كانتا حصيلة هذه المعارف، ولَقاح تلك الأفكار. وسنتعرّف في هذا البحث التيّارات الثّقافيّة الوافدة التي أثّرت في تكوينه، فصدرَ عنها في أدبه، ونحا نَحْوها في موضوعاته وأفكاره.