ليستِ الحياةُ في جوهرِهَا ونظامِهَا وتصريفِهَا إلَّا كلمةً، وليسَ الوُجُودُ في بدءِ التَّكوينِ إلَّا كذلكَ؛ أي كلمةً صادقةً نبيلةً، وخلقًا جديدًا تُولَدُ معه الحياةُ في أشرفِ معانيها وأعلاها، وقد نَزَلَتْ هذه الكلمةُ الشَّامخةُ في رُؤُوسِ العَرَبِ وألسنتِهِم مؤذنةً ببدايةِ خلقٍ جديدٍ، ومعنى للحياةِ سامٍ سيملأُ ظهرَ الأرضِ عدلًا وتسامحًا، ويعطيَهَا شكلًا جديدًا تنخلعُ به النَّفسُ من رِقِّ العبوديَّةِ لكلِّ ما سوى اللهِ سبحانَه؛ لتعودَ بيضاءَ نقيَّةً كما لو أنَّها الآنَ تُولَدُ، وهذا أصلٌ من أصولِ هذه الكلمةِ الحُرَّةِ يعودُ بها إلى طُهْرها المتقادمِ، وجذرها الممتدِّ في عُرُوقِ الأبدِ، ولها أصلٌ ثانٍ يجعلُها عُمْدةً من عُمَدِ التَّكليفِ بهذه الرِّسالةِ السَّماويَّةِ التي نَزَلتْ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فاجتهدتِ العَرَبُ في صقلِها، وكافحَتْ في تهذيبها، وجاهَدَتْ من أجلِها جهادًا أقعدَهَا مقعدَ الصِّدقِ، وأحلَّها محلَّ الكرامةِ؛ لأنَّها تعبَّدت في هذا المحرابِ الشَّريفِ مؤمنةً إيمانًا لا يخالطُهُ ريبٌ أنَّه المدخلُ الصَّادقُ الذي يحفظُ وجودَهَا، ويجدِّدُ حياتَهَا، وفيه مع ذلك، أو فوقَ ذلكَ، ذكاءُ العُقُولِ وصقلُها وجلاؤُها حتَّى تعودَ بيضاءَ ترِفُّ كأنَّها سيفٌ صقيلٌ.